أبي منصور الماتريدي
101
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
- بالإمامة لعمر على سبيل الترشيح . وسكن الخلاف ونامت الفتنة في خلافة الشيخين أبي بكر وعمر ؛ لأنهما أخذا نفسيهما بالعدل الشامل المطلق في دقيق الأمور وجليلها ، وانتصف كل واحد منهما من نفسه قبل أن ينتصف من رعيته ، وبلغا من العدل والمساواة بين الناس مبلغا أرهق من أتى بعدهما إذا رغب أن يحذو حذوهما ولا يخالف سيرتهما . كما شغل المسلمون آنذاك بقمع المرتدين في داخل الجزيرة العربية ، وبالجهاد وفتح الأمصار خارجها لنشر الإسلام وإعلان التوحيد ، فغدا المسلمون كما كانوا في العهد النبوي على منهاج واحد ورأي واحد أتاح للدولة أن تزدهر في فترة قصيرة من عمر الحضارة الإنسانية . الفتنة الكبرى في عهد عثمان وعلي ونشأة الأحزاب السياسية « 1 » : ولي الخلافة عثمان بن عفان بعد مقتل عمر بن الخطاب - رضوان الله عليهما - بعد أن أعطى المواثيق والعهود بالنصح للأمة ، والالتزام بسنة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر . ورضي المسلمون على خلافة عثمان في ست السنين الأولى ، ثم نقموا منه أمورا رأوا أنه خالف فيها عن سيرة الشيخين وانحرف عن سنة النبي الكريم . واستحال الإنكار الهادئ والاعتراض الناصح سخطا عارما عم الأمصار المختلفة ، وثورة عنيفة عمد المنخرطون فيها إلى خلع الخليفة عثمان رضي الله عنه . وأفضت الثورة المسلحة إلى مقتل عثمان ، بعد أن حوصر في داره أربعين يوما منع خلالها من إمامة المسلمين في الصلاة . وقد فتح مقتل عثمان على المسلمين باب الفتنة واسعا ، وأذكى نيران الخلاف بينهم من جديد ، وأورث القلوب والضمائر ضغنا وسوء ظن كان خليقا بأن يعصف بالوحدة الإسلامية ويقوض أركانها في هذا الطور الباكر . ولم يستطع علي بن أبي طالب - الذي بويع بالخلافة من أغلبية المسلمين - أن يرأب صدع الخلاف وينتاش المسلمين من هوة الفتنة السحيقة التي تردوا فيها .
--> ( 1 ) ينظر : تلقيح فهوم أهل الأثر ( ص 84 ) ، الكامل في التاريخ ( 2 / 59 ) ، الطبقات الكبرى لابن سعد ( 3 / 53 - 84 ) ، تاريخ الإسلام للذهبي ، جزء « الخلفاء الراشدون » ( 311 - 429 ) ، العواصم من القواصم ( 56 - 60 ) ، سمط النجوم العوالي ( 2 / 518 ) ، سبل الهدى والرشاد ( 11 / 277 - 278 ) .